حبيب الشعب
05-14-2003, 12:20 PM
رنين الهاتف لا ينقطع .
تثاقل الأب .. ومشى ثلاث خطوات بطيئة .. ثم تناول سماعة الهاتف بيد مُرتعشة وهو يرحب بالمتحدث ..
وفجأة ..
تزلزلت الأرض تحت قدمه .. واغرورقت بالدموع عيناه حتى ابتلت لحيته .. خنجر مرق بين أضلعه حتى استقر في سويداء قلبه ..
لقد تسللت إلى قلبه معالم الفاجعة ...
الجزء الأول...
تتحدث باكية بما حصل وهي تقول:
لم يكن انتقالنا مع بداية الإجازة إلى مسكن جديد لأمراً عادياً .. بل كان حدثاً مؤثراً في عائلة مكونة من أب وأم وثلاث بنات ..
لقد اتسع المكان .. وأصبح أبي وأمي يقيمان في جناح كامل .. وانفردت عن أختي بغرفة مستقلة ..
قالت والدتي محدثة أبي وهي فرحة مستبشرة :سندعو جميع معارفنا .. الآن فقدت يا زوجي العزيز جميع الأعذار السابقة .. هاهو مجلس الضيوف كبير وذاك مجلس النساء مؤثث بأجمل أنواع الأثاث .. وستقضي أنت وأصحابك أسعد الأمسيات في هذه الحديقة الكبيرة ..
ردد أبي بفرح عبارات الاستقبال وكأن الضيوف قادمون .. ثم أردف بسرعة وبدا أنه يتذكر شيئا ما ..
قال : الآن مع بداية تقاعدي عن العمل .. سنملأ منزلنا بهجة وسروراً .. وأنسا وحبوراً .. سيكون ملتقى الأحبة والأصحاب هنا ..
ثم التفت إلى الجميع وهو يقول – وابتسامة جميلة تزين محياة -: آن لي الآن أن استريح بعد مشوار العمل الطويل .. أربعون سنة خدمت فيها في مجال علمي..
قال وهو يحكي جهده ويحصد زرعه : أحمد الله الذي أنعم عليّ بنعم كثيرة .. هذا هو أخوكم الأكبر مدرس في الجامعة والأصغر يواصل دراساته العليا في الخارج وأنتن على أبواب التخرج –الحمد لله- قرت عيني بكم جميعا فقد جمعتم بين العلم والأدب ,, واسترجع الذكريات ,,
استند إلى كرسي وسط الحديقة ومدّ قدميه وقال : الحديث طويل حديث أربعون سنة !!
وارتسمت على محياة متعة ظاهرة وهو يسترجع الماضي ويُعدد سنوات عمره .. سنة .. سنة !! وأين قضاها ومن هم زملاؤه في العمل .. ثم التفت إلى والدتي – بعينين ضاحكتين – وأعاد قصة زواجهما منذ بداية خطبتهما .. ونحن نستمع ونضحك ووالدتي تعلق بكلمة وسؤال . ... ثم تتبعها ضحكة حييّة!
سعادة لاحدود لها ترفرف على منزلنا .. يُجملها محبة والدي لحديثنا ولطفه معنا وتلبية حاجاتنا ...
قضينا أشهر الصيف في المنزل الجديد وكأننا في عالم آخر .. وكانت تسير الأيام حلوة جميلة , خاصة مع الساعات الطوال التي كنا نجلس فيها سوياً نتجاذب أطرا الحديث .
مع بداية العام الدراسي ظهرت حاجاتنا إلى خادمة ...فالمنزل واسع ووالدتي تحتاج إلى من يعينها على أعمال المنزل الكثيرة والمتتالية .. فكان أن لبّى والدي طلب الجميع لاستقدام خادمة بعد تردد وخوف .واشترط استقدام زوجها معها وقال : لاتهم زيادة التكاليف .. أنتن أهم عندي من أموال الدنيا كلها ! بل انتن زهرة الدنيا وجمالها !
كان المنزل يحوي ملحقاً صغيراً يقع في زاوية الحديقة الأمامية أجرينا فيه بعض التعديلات وأصبح ملائماً لاستقبال السائق والخادمة ..ونبّه والدي على الجميع بعدم الذهاب مع السائق إلا عند الحاجة ومع زوجته حتى تكون محرماً له .. وأعاد وكرر التنبيه ليسمع الجميع .. وحرك أصبعه وكأنه يتهدد ويتوعد من يخالف الأمر !
أطرقنا الرؤوس استجابة وقبولاً!!
أزفت بداية العام الدراسي .. وانتقلت أختي الكبرى إلى السنة الرابعة الجامعية , وأختي الوسطى إلى السنة الثالثة الجامعية .. وانتقلت أنا إلى السنة الأولى الجامعية ...
كان حلماً يراودني وكانت أمنية طالما هفت إليها نفسي .. ولايعادل فرحتي بمنزلنا وغرفتي إلا اتساع المباني الجامعية وسعة قاعات المحاضرات وبهاء وجمال الحدائق وتنسيقها ..
فرحت بالجو الجامعي الجديد , وكان أن واجهتني ثلاث عقبات مع بداية المرحلة الجامعية الأولى نظام الساعات وترتيب المحاضرات ومعرفة مكانها .. والأمر الثاني التعود على الجو الدراسي الجامعي أما الثالث : فهو تفرق رفيقات الصبا وزميلات المرحلة الثانوية التي اعتبرتها من أجمل أيام حياتي وأكثرها سعادة ومرحاً..
بدأت الدرسة في القسم الذي اختارته وتحمست له أختي الكبرى ... ولكنني مع مرور الأسبوع الأول أحسست بعدم رغبتي في هذا التخصص .. بل وكرهي له .. عندها قررت الانتقال إلى قسم آخر .. وكان هذا القرار نقطة تحول في حياتي أيضاً...
مع هذا التحول فقدت من تعرفت عليهن في القسم الأول وبدا من الصعوبة بقائي وحدي أثناء الفراغ بين المحاضرات .. فكنت أهرب لأسلم وأحادث زميلات القسم الأول .. ولكن لم تطل غربتي في هذا القسم الجديد سوى أيام قليلة ..
حتى بدأت ضحكاتنا تتعالى ومعرفتنا ببعضنا تزداد .. وعندها بدأت أنسى زميلاتي السابقات ..
بل وزميلات المرحلة الثانوية حتى باعدت بيننا الأيام وطواهن النسيان ..
كان الجو العام مع الزميلات مرحاً دون ضابط وكنت أسمع النكت والتعليقات لأول مرة ..
وبسرعة عجيبة تأقلمنا مع بعضنا فأصبحنا نوآنس بعض بل ونشكوا لبعضنا البعض ..
أما الشوق وحديث الهاتف وكشف خبايا النفس فإنه ديدن تلك الصحبة .. بل هو ملحها وجمالها
وفجأه ... وقع مالم يكن بالحسبان ...
الجزء الثاني انتظرونا قريبا ...
تثاقل الأب .. ومشى ثلاث خطوات بطيئة .. ثم تناول سماعة الهاتف بيد مُرتعشة وهو يرحب بالمتحدث ..
وفجأة ..
تزلزلت الأرض تحت قدمه .. واغرورقت بالدموع عيناه حتى ابتلت لحيته .. خنجر مرق بين أضلعه حتى استقر في سويداء قلبه ..
لقد تسللت إلى قلبه معالم الفاجعة ...
الجزء الأول...
تتحدث باكية بما حصل وهي تقول:
لم يكن انتقالنا مع بداية الإجازة إلى مسكن جديد لأمراً عادياً .. بل كان حدثاً مؤثراً في عائلة مكونة من أب وأم وثلاث بنات ..
لقد اتسع المكان .. وأصبح أبي وأمي يقيمان في جناح كامل .. وانفردت عن أختي بغرفة مستقلة ..
قالت والدتي محدثة أبي وهي فرحة مستبشرة :سندعو جميع معارفنا .. الآن فقدت يا زوجي العزيز جميع الأعذار السابقة .. هاهو مجلس الضيوف كبير وذاك مجلس النساء مؤثث بأجمل أنواع الأثاث .. وستقضي أنت وأصحابك أسعد الأمسيات في هذه الحديقة الكبيرة ..
ردد أبي بفرح عبارات الاستقبال وكأن الضيوف قادمون .. ثم أردف بسرعة وبدا أنه يتذكر شيئا ما ..
قال : الآن مع بداية تقاعدي عن العمل .. سنملأ منزلنا بهجة وسروراً .. وأنسا وحبوراً .. سيكون ملتقى الأحبة والأصحاب هنا ..
ثم التفت إلى الجميع وهو يقول – وابتسامة جميلة تزين محياة -: آن لي الآن أن استريح بعد مشوار العمل الطويل .. أربعون سنة خدمت فيها في مجال علمي..
قال وهو يحكي جهده ويحصد زرعه : أحمد الله الذي أنعم عليّ بنعم كثيرة .. هذا هو أخوكم الأكبر مدرس في الجامعة والأصغر يواصل دراساته العليا في الخارج وأنتن على أبواب التخرج –الحمد لله- قرت عيني بكم جميعا فقد جمعتم بين العلم والأدب ,, واسترجع الذكريات ,,
استند إلى كرسي وسط الحديقة ومدّ قدميه وقال : الحديث طويل حديث أربعون سنة !!
وارتسمت على محياة متعة ظاهرة وهو يسترجع الماضي ويُعدد سنوات عمره .. سنة .. سنة !! وأين قضاها ومن هم زملاؤه في العمل .. ثم التفت إلى والدتي – بعينين ضاحكتين – وأعاد قصة زواجهما منذ بداية خطبتهما .. ونحن نستمع ونضحك ووالدتي تعلق بكلمة وسؤال . ... ثم تتبعها ضحكة حييّة!
سعادة لاحدود لها ترفرف على منزلنا .. يُجملها محبة والدي لحديثنا ولطفه معنا وتلبية حاجاتنا ...
قضينا أشهر الصيف في المنزل الجديد وكأننا في عالم آخر .. وكانت تسير الأيام حلوة جميلة , خاصة مع الساعات الطوال التي كنا نجلس فيها سوياً نتجاذب أطرا الحديث .
مع بداية العام الدراسي ظهرت حاجاتنا إلى خادمة ...فالمنزل واسع ووالدتي تحتاج إلى من يعينها على أعمال المنزل الكثيرة والمتتالية .. فكان أن لبّى والدي طلب الجميع لاستقدام خادمة بعد تردد وخوف .واشترط استقدام زوجها معها وقال : لاتهم زيادة التكاليف .. أنتن أهم عندي من أموال الدنيا كلها ! بل انتن زهرة الدنيا وجمالها !
كان المنزل يحوي ملحقاً صغيراً يقع في زاوية الحديقة الأمامية أجرينا فيه بعض التعديلات وأصبح ملائماً لاستقبال السائق والخادمة ..ونبّه والدي على الجميع بعدم الذهاب مع السائق إلا عند الحاجة ومع زوجته حتى تكون محرماً له .. وأعاد وكرر التنبيه ليسمع الجميع .. وحرك أصبعه وكأنه يتهدد ويتوعد من يخالف الأمر !
أطرقنا الرؤوس استجابة وقبولاً!!
أزفت بداية العام الدراسي .. وانتقلت أختي الكبرى إلى السنة الرابعة الجامعية , وأختي الوسطى إلى السنة الثالثة الجامعية .. وانتقلت أنا إلى السنة الأولى الجامعية ...
كان حلماً يراودني وكانت أمنية طالما هفت إليها نفسي .. ولايعادل فرحتي بمنزلنا وغرفتي إلا اتساع المباني الجامعية وسعة قاعات المحاضرات وبهاء وجمال الحدائق وتنسيقها ..
فرحت بالجو الجامعي الجديد , وكان أن واجهتني ثلاث عقبات مع بداية المرحلة الجامعية الأولى نظام الساعات وترتيب المحاضرات ومعرفة مكانها .. والأمر الثاني التعود على الجو الدراسي الجامعي أما الثالث : فهو تفرق رفيقات الصبا وزميلات المرحلة الثانوية التي اعتبرتها من أجمل أيام حياتي وأكثرها سعادة ومرحاً..
بدأت الدرسة في القسم الذي اختارته وتحمست له أختي الكبرى ... ولكنني مع مرور الأسبوع الأول أحسست بعدم رغبتي في هذا التخصص .. بل وكرهي له .. عندها قررت الانتقال إلى قسم آخر .. وكان هذا القرار نقطة تحول في حياتي أيضاً...
مع هذا التحول فقدت من تعرفت عليهن في القسم الأول وبدا من الصعوبة بقائي وحدي أثناء الفراغ بين المحاضرات .. فكنت أهرب لأسلم وأحادث زميلات القسم الأول .. ولكن لم تطل غربتي في هذا القسم الجديد سوى أيام قليلة ..
حتى بدأت ضحكاتنا تتعالى ومعرفتنا ببعضنا تزداد .. وعندها بدأت أنسى زميلاتي السابقات ..
بل وزميلات المرحلة الثانوية حتى باعدت بيننا الأيام وطواهن النسيان ..
كان الجو العام مع الزميلات مرحاً دون ضابط وكنت أسمع النكت والتعليقات لأول مرة ..
وبسرعة عجيبة تأقلمنا مع بعضنا فأصبحنا نوآنس بعض بل ونشكوا لبعضنا البعض ..
أما الشوق وحديث الهاتف وكشف خبايا النفس فإنه ديدن تلك الصحبة .. بل هو ملحها وجمالها
وفجأه ... وقع مالم يكن بالحسبان ...
الجزء الثاني انتظرونا قريبا ...