ibay76
03-10-2005, 10:16 PM
أصداء دولية للتظاهرة المليونية ـ سيناريو أكثر من متوقع
وصلت برقية عاجلة من غرفة العمليات المركزية في السفارة الاميركية في عوكر المخصصة لادارة الملف اللبناني الى مقر وزارة الخارجية في واشنطن تحيط السيدة كونداليزا رايس وفريقها لشؤون الشرق الاوسط علماً أن لقاءا استثنائياً للاحزاب والقوى اللبنانية الصديقة لسوريا قرر تنظيم تظاهرات شعبية في مختلف المناطق اللبنانية، بدءا من وسط العاصمة بيروت حيث تنطلق تظاهرة يوم الثلاثاء (8/3) الساعة الثالثة بعد الظهر. وارفقت البرقية بملاحظة "هام جداً" أن الداعي للتظاهرات باسم جميع هذه القوى هو الامين العام لحزب الله "الارهابي" حسن نصر الله.
ارتعدت فرائص دايفيد ساترفيلد "القائد الميداني الاميركي اللبناني" من ما تخبئه سطور هذه البرقية قبل أن يُطلع عليها مسؤوله بالتدرج وليام بيرنز ومن ثم الوزيرة "كوندي"، وحاول التقاط انفاسه التي كادت لتوها تتنفس الصعداء بعد رحلة متعبة الى بيروت استغرقت اربعة أيام وعاد منها الى العاصمة واشنطن مقدما تقريراً مفصلا عن ننتائج اتصالاته باركان المعارضة اللبنانية، وخطة العمل التي أعدها لاحداث التغيير المُكلّف به في النظام السياسي في بيروت واستبداله بآخر حليف للسياسة الاميركية. وكانت علامات البهجة لا تزال ترتسم على وجه ساترفيلد _القاطم دائما_ وهو يختتم تقريره الاستثنائي بحصيلة تقول انه تمكن من اسقاط حكومة الرئيس عمر كرامي، وساهم في منح معنويات وماديات استثنائية لمؤيدي المعارضة لاحتلالهم المشهد الاعلامي العالمي بعد تمركزهم في ساحة الشهداء، ومن ثم عزا قرار القيادتين السورية واللبنانية اطلاق عملية انسحاب كامل للقوات السورية الى البقاع تطبيقاً لاتفاق الطائف الى براعته في ادارة ملف معقد كالملف اللبناني.
حاول ساترفيلد الاتصال بسفيره في بيروت جيفري فيلتمان لاستيضاحه مضمون البرقية العاجلة وما يمكن ان تحمله، و"تشاور" مع أصدقائه في لبنان الذين طمأنه بعضهم بأن تظاهرة المعارضة يوم الاثنين، أي قبل يوم من تظاهرة "الموالاة"، سترفع السقف عالياً: خطاباً وحشداً جماهيرياً، كمياً ونوعياً، بحيث لن تستطيع تظاهرة الثلاثاء مجاراتها وبالتالي ستفشل فشلاً ذريعاً وتندم على فعلتها.
وعلى عجل أيضاً حاول فريق العمليات الاميركي في سفارة عوكر ان يطمئن قائده ساترفيلد بأن هناك خطة أعدت بأحكام لاستيعاب تظاهرة الثلاثاء، بينها تغطية أعلامية مبرمجة مكثفة تقول ان المشاركين هم من التابعية السورية والفلسطينية وان هناك بعض اللبنانيين ارغموا على المشاركة بالترهيب او الترغيب، لكن الرجل في قرارة نفسه لم يشعر بالارتياح، وحاول أن يبحث مع بيرنز و"كوندي" في كيفية تلطيف البرقية العاجلة التي يفترض أن تصل الى الرئيس جورج بوش الذي يستعد لالقاء خطاب يوم الثلاثاء في جامعة الدفاع الوطني الاميركي بالتزامن مع انطلاق المسيرة يخصصها للشرق الاوسط و"ذوبان الانظمة الاستبدادية فيه"، وبينها حكماً النظام اللبناني. أخذ بوش علماً بالتظاهرة،ٍ طارحأً اسئلة دون اجابات، لكنه تجهم عندما قرأ اسم حسن نصر الله. بدت كوندي مربكة لكونها تعرف أن رئيسها قد يوقعها في ورطة جديدة وهو المشهور عنه بأخطائه خصوصاً في التاريخ والجغرافيا، وأخطائه في قراءة التقارير السرية من مختلف الوزارات والاجهزة الامنية الاميركية الناشطة، داخلياً وخارجياً "لمكافحة الارهاب".
عصر يوم الثلاثاء في بيروت، صباح اليوم التالي في واشنطن، بدأت البرقيات العاجلة تصل الى العاصمة الاميركية عن حشود المتظاهرين اللبنانيين الزاحفين الى العاصمة من كل جهات لبنان، تسمر ساترفيلد وبيرنز ورايس امام شاشة التلفزة لاعداد ملخص سريع عما يجري في بيروت، وفُتح خط ساخن مع السفارة في عوكر لاطلاعهم على المستجدات دقيقة بدقيقة. في هذا الوقت كان ابرز كتبة البيت الابيض يدرب بوش على القاء خطابه، ويحاول ان ُيحذّره من احتمال خروجه عن النص وارتكاب هفوة او خطأ يضاف الى سجله، فيقدم المزيد من الاساءات الى صورة بلاده، وتبعده عن اسلافه ليحتل الى زمن طويل موسوعة "غينيس" لاكثر الرؤساء اخطاءاً في العالم. قدّر بوش حرص كاتب الخطابات ومدربه وطمأنه.
بدأ بوش خطابه وسط صفيق لا مثيل له، ومع وصوله الى الملف اللبناني اطلق "أوامره التنفيذية" المعروفة وقال "ان على سوريا سحب قواتها من لبنان وسحب اجهزتها الاستخباراتية"، واعرب عن "دعمه للقوى المؤيدة للديموقراطية في لبنان". في هذه الاثناء سلمه احد مساعديه ورقة تبلغه على وجه السرعة ان الحشود في تظاهرة بيروت تجاوزت المليون لبناني، وان هناك تقديرات غربية بانها وصلت الى المليون وستمئة الف. وضع بوش الورقة في جيبه، ظناً منه ان الامر يتعلق بحشد المعارضين والمنددين بـ"الاحتلال السوري"، وفات كاتب البرقية ان يذكره ان هذه تظاهرة حسن نصر الله، وتابع بوش _ مستبشراً خيراً في ما وصله_ قائلاً: "اليوم لدي رسالة الى الشعب اللبناني، العالم باجمعه يشهد حركة الضمير العظيمة التي تقومون بها، والملايين على الارض الى جانبكم، ان زخم الحرية الى جانبكم، وستسود الحرية في لبنان". بلعت كوندي لسانها وهي تسمع خطيئة بوش الجديدة. تابع بوش تبشيره اللبنانيين بالدعوة الى الانسحاب السوري الكامل " لتكون تلك الانتخابات حرة ونزيهة".
وقعت الواقعةو حصلت الورطة. أُوكل الامر سريعاً الى المتحدث باسم البيت الابيض سكوت ماكليلان الذي تولى التقليل من أهمية التظاهرة التي "لن تغير من المطالب الاميركية"، وقال "ان واشنطن ترحب دائما بالتظاهرات السلمية"، لكنه أكد "أن الشعب اللبناني يريد خروج سوريا من بلاده". بدل ان يجبرها كسرها. هذه الحشود تشكر سوريا على دعمها وتصرخ الموت لاميركا وترفض تدخلها السافر في الشؤون اللبنانية ورفضها للقرار 1559. كيف يستكمل ماكليلان مصادرة رأيها و كان رئيسه يبشر بنسائم الديمقراطية في الشرق الاوسط.
ثم تذكّر الجميع كيف رُكّبت تقارير الاستخبارات الاميركية عن اسلحة الدمار الشامل العراقية وكيف غزا بوش العراق متذرعا بها، وثم تبين كذبها وثم سحبها من التداول , فبوش يتقن هذه اللغة أصلاً.
ساد صمت من المجهول المعلوم الآتي. فجأة فغر بيرنز وساترفيلد وكوندي افواهم واطلقوا شهقة خرقت السكون المخيم. ماذا يفعل حسن نصر الله في وسط بيروت؟ ضرب الجميع كفا بكف واستعانوا بمترجم محلف على عجل لترجمة ما سيقول هذا الرجل "الارهابي" الذي يطل على حشود مليونية من مختلف فئات وطوائف اللبنانيين للمرة الاولى في هذا المكان من العاصمة اللبنانية. قبيل ذلك وصلت برقية عاجلة ونهائية تدعو فريق وزارة الخارجية الموكل الملف اللبناني الى التسليم بقضاء حسن نصر الله وقدرِه وقَدَرِه.
حاولت كوندي ان تبلع كلامها السابق عن التدخل الامني في لبنان في حال الفراغ، وخافت ان يذهب رئيسها بعيدا في اقتراحها وهو يعتقد ان هذه الحشود تهتف مؤيدة له، وخشية ان يلعب فأر دونالد رامسفيلد وديك تشيني بعب بوش ويقنعاه بالذهاب الى بيروت مجدداً. في هذه اللحظة بالذات كانت كوندي تطلب من المترجم ان ينقل لها حرفياً المقطع الذي قاله نصر الله للتو: أجاب المترجم ملخصاً: انه يحذر اميركا من التدخل في شؤون لبنان الداخلية، ويتوعدها بدحر اساطيلها اذا عادت مجددا الى لبنان. طلبت رايس بغضب النص حرفياً، لكن من دون هتافات الاستهزاء التي اطلقتها الحشود لدى ذكر نصر الله اسم بوش ورايس وساترفيلد، فهي تعرف ما معنى حركة الاحتجاج هذه. قال المترجم ان نصر الله يسأل اللبنانيين المحتشدين: هل تخافون من اساطيل الولايات المتحدة الاميركية؟ فيجيبون لا. ويضيف (الامين العام): "لقد جاءت هذه الاساطيل في الماضي وهُزمت واذا جاءت ستهزم من جديد".
تجهم من في الغرفة، وقررت كوندي مهاتفة بوش والطلب اليه ان يعقد اجتماعاً مستعجلاً لان ورقة لبنان افلتت من يدها، وثمة من يحذر أميركا من مغبة التفكير بالمجيء الى لبنان على شاكلة العام 1983. قررت الوزيرة النشطة ان اغلبية اللبنانيين قالت كلمة "لا" قاسية ضد بلادها، ولا بد من اعادة درس الامور، لكن دون أن ينعكس هذا الاحباط على اداء وسائل الاعلام التي يجب أن تبقى تقلّب الحقائق، لكنها في قرارة نفسها قالت "ان حبل الكذب قصير"، وهؤلاء اللبنانيون الذين يحبون سوريا ويكرهون السياسة الاميركية وفريق بوش، سينظمون احتجاجات جديدة هذا الاسبوع وبعده في مختلف المدن اللبنانية لترداد الشعارات نفسها.
حاولت رايس وبيرنز وساترفيلد ان يقرأوا ما بين رسالة نصر الله الى باريس وكلام الود الذي ابداه والعبارات المدروسة التي استخدمها في مخاطبة "السيد الرئيس جاك شيراك"، وقوله له "انت تحب لبنان وتدافع عن لبنان وخلال السنوات الماضية قمت بزيارة لبنان لمرات عديدة ونحن نعرف اهتمامك الشخصي بلبنان، واذا كنت يا سيادة الرئيس حريصاً على حرية اللبنانيين وعلى الديمقراطية في لبنان فعليك أيضاً أن تنظر بعينين اثنين". ولفت الفريق الاميركي المعني بالشأن اللبناني احتجاج نصر الله على الحشود عندما حاولت ان تطلق صرخة تهكم لدى ذكره اسم شيراك، ثم تأمل في دعوة نصر الله لشيراك "من الموقع الديمقراطي وبهذا التعبير الشعبي والسلمي لان تتخلى عن دعمك لقرار لا يحظى بشعبية في لبنان ولا يؤيده اغلبية اللبنانيين.. أليست هذه الديمقراطية".
في هذه الاثناء كان الفريق الفرنسي المعني بالملف اللبناني ايضاً، سواء لدى السفارة في بيروت او وزارة الخارجية او الاليزيه في باريس يتابعان بدقة تفاصيل الحشد المليوني والشعارات التي يرفعها ووتيرة الاعتراض على التدخل الفرنسي، والرسائل التي يوجهها، ثم اجرى فريق السفارة في بيروت ترجمة عاجلة ودقيقة لخطاب السيد نصر الله وملامح الوجه ونبرة الكلام والعبارات التي تقصّد استخدامها في مخاطبة الرئيس الفرنسي، وما تنطوي عليه من معان، وأرسلها على وجه السرعة في تقرير "خاص جداً" الى الدوائر المعنية في باريس لدراستها والبناء عليها. وربما هناك من ذكّر فرنسا بأن حزب الله وسوريا هما من فتحا لها باب الشرق الاوسط عندما أصرا على ادخالها في لجنة تفاهم نيسان عام 1996، وان هذين الطرفين حريصين على افضل العلاقات معها ولا يكنان لها العداء، ويميزان بين ديمقراطيتها و"ديمقراطية السيد بوش". وُضعت اللمسات الاخيرة على التقرير الفرنسي بأن ما قيل عن حشود سورية وفلسطينية ليس سوى كذبة مكشوفة لا يليق بدولة كفرنسا ان تأخذ بها. حتى الآن لم تعلق باريس ولاذت بالصمت ربما بانتظار ان تعيد قراءة المشهد اللبناني الذي رسمته تظاهرة المليون ونصف الميون واكثر بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.
في مقلب آخر يفترض ان نجيب فريجي مدير الاعلام للامم المتحدة في لبنان وفريق عمله كانوا يجهدون لاعداد تقرير "عاجل جداً" لتيري رود لارسن ومنه الى كوفي انان عن التظاهرة التي تحتشد تحت اساسات مبنى الامم المتحدة في وسط بيروت. دوّن فريق الامم المتحدة ملاحظاته جميعها قبل ان تغلق نوافذ المبنى لان الامين العام لحزب الله أطل على الحشود من شرفة مقابلة، وانصرف الجميع الى الاستماع لكلمته حتى يُضمِنّها تقريره، الذي يفترض أن يكون بدأ باشارة لافتة الى ان هذه الحشود تهتف ضد قرار دولي جائر امام مبنى المنظمة التي اتخذته.
ان الرسالة قد وصلت وان الامم المتحدة ممثلة الشعوب لا تستطيع ان تذهب بعيداً في مواجهة هذا الحشد المليوني المحتج أمامها.
يمكن ادراج تعديلات طفيفة على هذا السيناريو، لكن حظه من الواقعية كبير جداً. اليس الملف اللبناني على رأس جدول اعمال هذه الاطراف الثلاثة؟
وصلت برقية عاجلة من غرفة العمليات المركزية في السفارة الاميركية في عوكر المخصصة لادارة الملف اللبناني الى مقر وزارة الخارجية في واشنطن تحيط السيدة كونداليزا رايس وفريقها لشؤون الشرق الاوسط علماً أن لقاءا استثنائياً للاحزاب والقوى اللبنانية الصديقة لسوريا قرر تنظيم تظاهرات شعبية في مختلف المناطق اللبنانية، بدءا من وسط العاصمة بيروت حيث تنطلق تظاهرة يوم الثلاثاء (8/3) الساعة الثالثة بعد الظهر. وارفقت البرقية بملاحظة "هام جداً" أن الداعي للتظاهرات باسم جميع هذه القوى هو الامين العام لحزب الله "الارهابي" حسن نصر الله.
ارتعدت فرائص دايفيد ساترفيلد "القائد الميداني الاميركي اللبناني" من ما تخبئه سطور هذه البرقية قبل أن يُطلع عليها مسؤوله بالتدرج وليام بيرنز ومن ثم الوزيرة "كوندي"، وحاول التقاط انفاسه التي كادت لتوها تتنفس الصعداء بعد رحلة متعبة الى بيروت استغرقت اربعة أيام وعاد منها الى العاصمة واشنطن مقدما تقريراً مفصلا عن ننتائج اتصالاته باركان المعارضة اللبنانية، وخطة العمل التي أعدها لاحداث التغيير المُكلّف به في النظام السياسي في بيروت واستبداله بآخر حليف للسياسة الاميركية. وكانت علامات البهجة لا تزال ترتسم على وجه ساترفيلد _القاطم دائما_ وهو يختتم تقريره الاستثنائي بحصيلة تقول انه تمكن من اسقاط حكومة الرئيس عمر كرامي، وساهم في منح معنويات وماديات استثنائية لمؤيدي المعارضة لاحتلالهم المشهد الاعلامي العالمي بعد تمركزهم في ساحة الشهداء، ومن ثم عزا قرار القيادتين السورية واللبنانية اطلاق عملية انسحاب كامل للقوات السورية الى البقاع تطبيقاً لاتفاق الطائف الى براعته في ادارة ملف معقد كالملف اللبناني.
حاول ساترفيلد الاتصال بسفيره في بيروت جيفري فيلتمان لاستيضاحه مضمون البرقية العاجلة وما يمكن ان تحمله، و"تشاور" مع أصدقائه في لبنان الذين طمأنه بعضهم بأن تظاهرة المعارضة يوم الاثنين، أي قبل يوم من تظاهرة "الموالاة"، سترفع السقف عالياً: خطاباً وحشداً جماهيرياً، كمياً ونوعياً، بحيث لن تستطيع تظاهرة الثلاثاء مجاراتها وبالتالي ستفشل فشلاً ذريعاً وتندم على فعلتها.
وعلى عجل أيضاً حاول فريق العمليات الاميركي في سفارة عوكر ان يطمئن قائده ساترفيلد بأن هناك خطة أعدت بأحكام لاستيعاب تظاهرة الثلاثاء، بينها تغطية أعلامية مبرمجة مكثفة تقول ان المشاركين هم من التابعية السورية والفلسطينية وان هناك بعض اللبنانيين ارغموا على المشاركة بالترهيب او الترغيب، لكن الرجل في قرارة نفسه لم يشعر بالارتياح، وحاول أن يبحث مع بيرنز و"كوندي" في كيفية تلطيف البرقية العاجلة التي يفترض أن تصل الى الرئيس جورج بوش الذي يستعد لالقاء خطاب يوم الثلاثاء في جامعة الدفاع الوطني الاميركي بالتزامن مع انطلاق المسيرة يخصصها للشرق الاوسط و"ذوبان الانظمة الاستبدادية فيه"، وبينها حكماً النظام اللبناني. أخذ بوش علماً بالتظاهرة،ٍ طارحأً اسئلة دون اجابات، لكنه تجهم عندما قرأ اسم حسن نصر الله. بدت كوندي مربكة لكونها تعرف أن رئيسها قد يوقعها في ورطة جديدة وهو المشهور عنه بأخطائه خصوصاً في التاريخ والجغرافيا، وأخطائه في قراءة التقارير السرية من مختلف الوزارات والاجهزة الامنية الاميركية الناشطة، داخلياً وخارجياً "لمكافحة الارهاب".
عصر يوم الثلاثاء في بيروت، صباح اليوم التالي في واشنطن، بدأت البرقيات العاجلة تصل الى العاصمة الاميركية عن حشود المتظاهرين اللبنانيين الزاحفين الى العاصمة من كل جهات لبنان، تسمر ساترفيلد وبيرنز ورايس امام شاشة التلفزة لاعداد ملخص سريع عما يجري في بيروت، وفُتح خط ساخن مع السفارة في عوكر لاطلاعهم على المستجدات دقيقة بدقيقة. في هذا الوقت كان ابرز كتبة البيت الابيض يدرب بوش على القاء خطابه، ويحاول ان ُيحذّره من احتمال خروجه عن النص وارتكاب هفوة او خطأ يضاف الى سجله، فيقدم المزيد من الاساءات الى صورة بلاده، وتبعده عن اسلافه ليحتل الى زمن طويل موسوعة "غينيس" لاكثر الرؤساء اخطاءاً في العالم. قدّر بوش حرص كاتب الخطابات ومدربه وطمأنه.
بدأ بوش خطابه وسط صفيق لا مثيل له، ومع وصوله الى الملف اللبناني اطلق "أوامره التنفيذية" المعروفة وقال "ان على سوريا سحب قواتها من لبنان وسحب اجهزتها الاستخباراتية"، واعرب عن "دعمه للقوى المؤيدة للديموقراطية في لبنان". في هذه الاثناء سلمه احد مساعديه ورقة تبلغه على وجه السرعة ان الحشود في تظاهرة بيروت تجاوزت المليون لبناني، وان هناك تقديرات غربية بانها وصلت الى المليون وستمئة الف. وضع بوش الورقة في جيبه، ظناً منه ان الامر يتعلق بحشد المعارضين والمنددين بـ"الاحتلال السوري"، وفات كاتب البرقية ان يذكره ان هذه تظاهرة حسن نصر الله، وتابع بوش _ مستبشراً خيراً في ما وصله_ قائلاً: "اليوم لدي رسالة الى الشعب اللبناني، العالم باجمعه يشهد حركة الضمير العظيمة التي تقومون بها، والملايين على الارض الى جانبكم، ان زخم الحرية الى جانبكم، وستسود الحرية في لبنان". بلعت كوندي لسانها وهي تسمع خطيئة بوش الجديدة. تابع بوش تبشيره اللبنانيين بالدعوة الى الانسحاب السوري الكامل " لتكون تلك الانتخابات حرة ونزيهة".
وقعت الواقعةو حصلت الورطة. أُوكل الامر سريعاً الى المتحدث باسم البيت الابيض سكوت ماكليلان الذي تولى التقليل من أهمية التظاهرة التي "لن تغير من المطالب الاميركية"، وقال "ان واشنطن ترحب دائما بالتظاهرات السلمية"، لكنه أكد "أن الشعب اللبناني يريد خروج سوريا من بلاده". بدل ان يجبرها كسرها. هذه الحشود تشكر سوريا على دعمها وتصرخ الموت لاميركا وترفض تدخلها السافر في الشؤون اللبنانية ورفضها للقرار 1559. كيف يستكمل ماكليلان مصادرة رأيها و كان رئيسه يبشر بنسائم الديمقراطية في الشرق الاوسط.
ثم تذكّر الجميع كيف رُكّبت تقارير الاستخبارات الاميركية عن اسلحة الدمار الشامل العراقية وكيف غزا بوش العراق متذرعا بها، وثم تبين كذبها وثم سحبها من التداول , فبوش يتقن هذه اللغة أصلاً.
ساد صمت من المجهول المعلوم الآتي. فجأة فغر بيرنز وساترفيلد وكوندي افواهم واطلقوا شهقة خرقت السكون المخيم. ماذا يفعل حسن نصر الله في وسط بيروت؟ ضرب الجميع كفا بكف واستعانوا بمترجم محلف على عجل لترجمة ما سيقول هذا الرجل "الارهابي" الذي يطل على حشود مليونية من مختلف فئات وطوائف اللبنانيين للمرة الاولى في هذا المكان من العاصمة اللبنانية. قبيل ذلك وصلت برقية عاجلة ونهائية تدعو فريق وزارة الخارجية الموكل الملف اللبناني الى التسليم بقضاء حسن نصر الله وقدرِه وقَدَرِه.
حاولت كوندي ان تبلع كلامها السابق عن التدخل الامني في لبنان في حال الفراغ، وخافت ان يذهب رئيسها بعيدا في اقتراحها وهو يعتقد ان هذه الحشود تهتف مؤيدة له، وخشية ان يلعب فأر دونالد رامسفيلد وديك تشيني بعب بوش ويقنعاه بالذهاب الى بيروت مجدداً. في هذه اللحظة بالذات كانت كوندي تطلب من المترجم ان ينقل لها حرفياً المقطع الذي قاله نصر الله للتو: أجاب المترجم ملخصاً: انه يحذر اميركا من التدخل في شؤون لبنان الداخلية، ويتوعدها بدحر اساطيلها اذا عادت مجددا الى لبنان. طلبت رايس بغضب النص حرفياً، لكن من دون هتافات الاستهزاء التي اطلقتها الحشود لدى ذكر نصر الله اسم بوش ورايس وساترفيلد، فهي تعرف ما معنى حركة الاحتجاج هذه. قال المترجم ان نصر الله يسأل اللبنانيين المحتشدين: هل تخافون من اساطيل الولايات المتحدة الاميركية؟ فيجيبون لا. ويضيف (الامين العام): "لقد جاءت هذه الاساطيل في الماضي وهُزمت واذا جاءت ستهزم من جديد".
تجهم من في الغرفة، وقررت كوندي مهاتفة بوش والطلب اليه ان يعقد اجتماعاً مستعجلاً لان ورقة لبنان افلتت من يدها، وثمة من يحذر أميركا من مغبة التفكير بالمجيء الى لبنان على شاكلة العام 1983. قررت الوزيرة النشطة ان اغلبية اللبنانيين قالت كلمة "لا" قاسية ضد بلادها، ولا بد من اعادة درس الامور، لكن دون أن ينعكس هذا الاحباط على اداء وسائل الاعلام التي يجب أن تبقى تقلّب الحقائق، لكنها في قرارة نفسها قالت "ان حبل الكذب قصير"، وهؤلاء اللبنانيون الذين يحبون سوريا ويكرهون السياسة الاميركية وفريق بوش، سينظمون احتجاجات جديدة هذا الاسبوع وبعده في مختلف المدن اللبنانية لترداد الشعارات نفسها.
حاولت رايس وبيرنز وساترفيلد ان يقرأوا ما بين رسالة نصر الله الى باريس وكلام الود الذي ابداه والعبارات المدروسة التي استخدمها في مخاطبة "السيد الرئيس جاك شيراك"، وقوله له "انت تحب لبنان وتدافع عن لبنان وخلال السنوات الماضية قمت بزيارة لبنان لمرات عديدة ونحن نعرف اهتمامك الشخصي بلبنان، واذا كنت يا سيادة الرئيس حريصاً على حرية اللبنانيين وعلى الديمقراطية في لبنان فعليك أيضاً أن تنظر بعينين اثنين". ولفت الفريق الاميركي المعني بالشأن اللبناني احتجاج نصر الله على الحشود عندما حاولت ان تطلق صرخة تهكم لدى ذكره اسم شيراك، ثم تأمل في دعوة نصر الله لشيراك "من الموقع الديمقراطي وبهذا التعبير الشعبي والسلمي لان تتخلى عن دعمك لقرار لا يحظى بشعبية في لبنان ولا يؤيده اغلبية اللبنانيين.. أليست هذه الديمقراطية".
في هذه الاثناء كان الفريق الفرنسي المعني بالملف اللبناني ايضاً، سواء لدى السفارة في بيروت او وزارة الخارجية او الاليزيه في باريس يتابعان بدقة تفاصيل الحشد المليوني والشعارات التي يرفعها ووتيرة الاعتراض على التدخل الفرنسي، والرسائل التي يوجهها، ثم اجرى فريق السفارة في بيروت ترجمة عاجلة ودقيقة لخطاب السيد نصر الله وملامح الوجه ونبرة الكلام والعبارات التي تقصّد استخدامها في مخاطبة الرئيس الفرنسي، وما تنطوي عليه من معان، وأرسلها على وجه السرعة في تقرير "خاص جداً" الى الدوائر المعنية في باريس لدراستها والبناء عليها. وربما هناك من ذكّر فرنسا بأن حزب الله وسوريا هما من فتحا لها باب الشرق الاوسط عندما أصرا على ادخالها في لجنة تفاهم نيسان عام 1996، وان هذين الطرفين حريصين على افضل العلاقات معها ولا يكنان لها العداء، ويميزان بين ديمقراطيتها و"ديمقراطية السيد بوش". وُضعت اللمسات الاخيرة على التقرير الفرنسي بأن ما قيل عن حشود سورية وفلسطينية ليس سوى كذبة مكشوفة لا يليق بدولة كفرنسا ان تأخذ بها. حتى الآن لم تعلق باريس ولاذت بالصمت ربما بانتظار ان تعيد قراءة المشهد اللبناني الذي رسمته تظاهرة المليون ونصف الميون واكثر بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.
في مقلب آخر يفترض ان نجيب فريجي مدير الاعلام للامم المتحدة في لبنان وفريق عمله كانوا يجهدون لاعداد تقرير "عاجل جداً" لتيري رود لارسن ومنه الى كوفي انان عن التظاهرة التي تحتشد تحت اساسات مبنى الامم المتحدة في وسط بيروت. دوّن فريق الامم المتحدة ملاحظاته جميعها قبل ان تغلق نوافذ المبنى لان الامين العام لحزب الله أطل على الحشود من شرفة مقابلة، وانصرف الجميع الى الاستماع لكلمته حتى يُضمِنّها تقريره، الذي يفترض أن يكون بدأ باشارة لافتة الى ان هذه الحشود تهتف ضد قرار دولي جائر امام مبنى المنظمة التي اتخذته.
ان الرسالة قد وصلت وان الامم المتحدة ممثلة الشعوب لا تستطيع ان تذهب بعيداً في مواجهة هذا الحشد المليوني المحتج أمامها.
يمكن ادراج تعديلات طفيفة على هذا السيناريو، لكن حظه من الواقعية كبير جداً. اليس الملف اللبناني على رأس جدول اعمال هذه الاطراف الثلاثة؟